حبيب الله الهاشمي الخوئي

286

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

( فلعمري لقد فوق لكم سهم الوعيد ) قال المحدّث العلَّامة المجلسي « ره » أي وضع فوق سهمه على الوتر ، والظاهر أنّه جعل فوق بمعنى أفوق ، وإلَّا فقد عرفت في بيان اللَّغة أنّ معنى فوقت السّهم جعلت له فوقا ، وعلى إبقاء التفويق على معناه الأصلي يكون كناية عن التهيّؤ والاستعداد . ( وأغرق إليكم بالنزع الشديد ) أي استوفي مدّ القوس وبالغ في نزعها ليكون مرماه أبعد ووقع سهامه أشدّ . ( ورماكم من مكان قريب ) لأنّه يجرى من ابن آدم مجرى الدّم في العروق كما ورد في الحديث النبويّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وكنّى عليه السّلام به عن أنّ سهامه لا تخطى ( وقال ) ما حكاه عنه عزّ وجلّ في سورة الحجر ( ربّ بما أغويتني لازيّننّ لهم في الأرض ولاغوينّهم أجمعين ) إلَّا عبادك منهم المخلصين ، أي أقسم باغوائك إيّاى لازيّننّ لهم المعاصي في الدّنيا التي هي دار الغرور ، فالمراد بالأرض هي الدّنيا كما في قوله تعالى * ( « وَلكِنَّه ُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ » ) * وعلى كون الباء للسببيّة فالمعنى بسبب إغوائك إيّاى أفعل بهم ذلك . فان قلت : ظاهر الاغواء هو الاضلال فكيف جاز نسبته إلى اللَّه قلت : على إبقائه على ظاهره فلا بدّ من حمله على أنّ إبليس كان جبرىّ المذهب . وأدلَّة العدليّة بوجوه : أحدها أنّ المراد به التخيّب أي بما خيّبتني من رحمتك لاخيبنّهم بالدّعاء إلى معصيتك . وثانيها أنّ معناه بما أضللتني من طريق جنّتك لاضلنّهم بالدّعاء إلى معصيتك وثالثها أنّ معناه بتكليفك إيّاى بالسجود لآدم الذي وقعت به في الغىّ لاضلنّهم أجمعين إلَّا عبادك الذين أخلصوا العبادة للَّه وانتهوا عمّا نهوا عنه . وقوله ( قذفا بغيب بعيد ) أي قال إبليس ذلك رميا بأمر غايب متوهّم على بعد خفيت اماراته وشواهده أي رميا بأمر بعيد المرمى غايب عن النظر . قال الشارح المعتزلي : والعرب تقول للشيء المتوهّم على بعد : هذا قذف